Saturday, September 10, 2011

البخاري المظلوم - الجزء الثاني


هذه المقالة نشرت في مدونة الزميل أشرف الفقيه في 18 سبتمبر 2010



هو سؤال بريء سمعته يتردد كثيراً، والغريب أن ذات السؤال يصدر من أشخاص بلغوا من فطحلة الذكاء درجاً، ومن أناس بلغوا من دحرجة البلاهة دركاً، وقد اكتشفت بعد هذه السنين أن غير المصنفين في خانتيّ الفطحلة والبلاهة بينهم قاسم مشترك وهو أنهم يفرقعون أصابعهم عندما يسألون هذا السؤال. السؤال ليس له علاقة بالسياسية والعياذ بالله، ولا بالطموحات الإمبريالية والرأسمالية أستغفر الله، إنما في دردشة الحلاق والنجار وبائع الملابس حول جواب: “هل يعقل أنه لا توجد أحاديث ضعيفة في البخاري”؟

قبل تفصيل الجواب أود أن أذكر القارئ الكريم أن الانحناء أمام شاشة الحاسوب مضر بعضلات الظهر والرقبة فأرجو الاعتدال والاحتفاظ بالعضلات مرتخية للحصول على أكبر قدر من التركيز.

العوام لهم ثقافة خاصة بهم موازية لثقافة المتخصصين، وعادة ما يكتب لها الرواج لأنها لا تخلو من الطرافة، فعندما تسأل العامي عن تعريف الحديث الضعيف تجده يدندن غالباً حول تعريفه بالحديث الذي لا يُعمل به أو لا يؤخذ بمقتضاه، وقد بيّنا في الجزء الأول أن هذا التعريف خاطئ لأن في الصحيحين أحاديث كثيرة لم يعمل بها العلماء، كما أن هناك المئات من الأحاديث الضعيفة المعمول بها في استنباط الأحكام الفقهية ومع هذا لا نسميها صحيحة. إذاً لا بد من التفريق بين علميّ (الحديث) و (الفقه) وتحرير أوجه الالتقاء والافتراق، فلنكرر سبعاً وسبعين مرة: “علم الحديث يختلف عن علم الفقه”.

أملُ العثور على حديث ضعيف في البخاري كان حلم عشرات، بل مئات المحدثين البارعين عبر القرون السابقة. عاش هؤلاء العلماء في بيئة من حرية التفكير يطرب لها جيلنا المتعطش لرشفها، وكانوا يعرفون جيداً أن الحفاظ على شرع الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهم من اتباع أقوال الرجال والعلماء، فاضرب صفحاً عمّن يتهمهم بأنهم سقطوا في شَرَك التقليد الأعمى، بل الحقيقة الناصعة أنهم مارسوا مناهج راقية في البحث العلمي عنوانها الدقة والتحقيق.

تعرّض صحيح البخاري لاختبارات [فَلترات] علمية صعبة جداً من جهابذة علماء الفن، وعلى عكس ما يظن الناس، فإن صحيح البخاري هو من أكثر كتب الحديث مراجعة من العلماء عبر التاريخ، وهذا يمكن صياغته بلغة عصرنا: أنه أعيدت تجربة قياس صحة أحاديثه في المئات من المختبرات التحليلية الحديثية، على أيدي علماء كبار مثل الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وابن عساكر والنابغ المتأخر الكبير ابن حجر بالإضافة إلى عشرات الشرّاح ومئات الفقهاء. ومن يعرف سيرة هؤلاء وصَولاتهم العلمية يتحقق في أنهم لا يهابون من البخاري ولا من غيره.

ما توصل إليه هؤلاء العلماء له أهمية تاريخية علمية، وفي لغة العلم لا يضر إن أعجبنا قانون أو ضجرنا من نتيجة، ما يهمنا هو المنهج العلمي والدقة القياسية، فدونك ما توصلوا إليه.

جميع ما في صحيح البخاري من أحاديث مسندة [موصولة السند] هي صحيحة بإجماع هؤلاء العلماء، باستثناء مجموعة صغيرة من الأحاديث اعتُرض على البخاري (ومسلم) فيها. قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتحه: ” وعدة ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وإن شاركه مسلم في بعضه مائة وعشرة أحاديث منها ما وافقه مسلم على تخريجه وهو اثنان وثلاثون حديثاً ومنها ما انفرد بتخريجه وهو ثمانية وسبعون حديثاً”. فإذا أخذنا بإحصاء ابن حجر لأحاديث البخاري 7397 [بالمكرر] خلص لنا أن في البخاري 7287 حديثاً صحيحاً باتفاق علماء الحديث، أو ما نسبته 98.513% من مجموع أحاديث الكتاب، وهذه النسبة مذهلة جداً لا تجدها في حسابات نيوتن وباسكال وليبيز، فلنعطِ البخاري نيشان شرف ولنكرّمه على إبداعه.

أما قصة المائة وعشرة أحاديث المتكلم فيها فهي رائعة من روائع تراثنا العلمي. قيل أن أبا حنيفة رحمه الله كان يقايس أصحابه [يطلب منهم استنباط الأحكام عن طريق القياس] فكان تلامذته يزاحمونه في القياس، ولكن إذا استحسن [وهو ترجيح قياس خفي على قياس جلي لدليل] صمت الجميع. وكذا الحال في هذه الأحاديث، يخضع العالم قبل الأمي للنقاش الدائر حولها لدقة مدركها ووعورة مسلكها. ولتقريب الصورة نذكر أن أعظم وأعلم من انتقد هذه الأحاديث على البخاري هو الحافظ الجبل شيخ أهل الحديث وإمام زمانه الحافظ الدارقطني، وكان نقاشه مع البخاري ليس في صحة أو ضعف الأحاديث إنما كان يناقشه في أنها غير صحيحة على شرطه [للبخاري شروط قاسية في قبول الأحاديث تختلف عن شروط جمهور المحدثين]، وإنه لمن عجائب الزمن أن نجد في زماننا من يجعل تضعيف أحاديث البخاري كقضمه كعكعة الإفطار على رشفة شاي.

مَثَلُ البخاري كمثل خبير محترف في الوثائق نذر عمره لتمييز الأصلي من المزور من المستندات، هذا الخبير يعرف بعلامات خاصة وخبرة بناها عبر التدقيق في مئات الآلاف من المستندات أن هذه الورقة عبثت فيها الأيدي أم هي أصلية كما تركها كاتبها [صحيحة أو موضوعة]، لذلك عندما ينظر في محتويات المستند [المتن] يبقى نظره منصباً على الإشارات التي تدل على التزوير [الشذوذ و النكارة]، من غير إبداء زيادة عناية بطبيعة المادة المكتوبة [النظرة الفقهية مثلاً ]. أما وظيفة تحليل الوثائق لمعرفة القصة التاريخية أو الأهمية القانونية فليست من وظيفة خبير الوثائق إنما من وظيفة المؤرخ [الفقيه]. إذاً عمل البخاري تقني بحت، فإذا اتفقت نتيجته مع نتيجة مئات من التقنيين المحترفين يصبح الطعن فيه طعناً في أصل العلم [تقنية تمييز الوثائق أو علم الحديث]، وهذا ما ينتهي إليه الطاعنون في البخاري سواء عرفوا أم لم يعرفوا.

إن التمسك بصحة أحاديث البخاري ومسلم ليس عيباً ولا عاراً، ولا يضرنا إن خسرنا بهذه المقولة جمهوراً عريضاً من القراء الذين يغلب عليهم حماس التمرد على كل موروث [هذا لا يسمى جنون الصبا، إنما لفحة فكرية تأسر العقول التواقة للتقدم]، لأن من أبجديات النهضة أن نحترم العلم ومنجزاته. العيب أن نستنبط ما لا يصح من أحاديث البخاري أو نحملها فوق مقصودها، والعار أن نطعن فيها عن جهالة وعبث بحيث يتندر علينا الناس أنا غير متقنين لفن الكوميديا.

في الجانب المقابل، تتطلب الأمانة العلمية توضيح نقطتين لا يعرفهما كثير من القراء، النقطة الأولى تتعلق بألفاظ أحاديث الصحيحين والثانية تتعلق بأحاديث تسمى “المعلقات”.

إن الغالب على أحاديث الصحيحين أنها صحيحة بجميع ألفاظها، ولكن كلام نقاد الحديث يشير إلى أنه قد توجد ألفاظ يسيرة في داخل هذه الأحاديث ليست “صحيحة” أو عليها اعتراض. ليس هذا مجال شرح لماذا وكيف وأين، فهذا موضوع غامض علينا نحن العوام، ولكن نضرب مثالا لتقريب الصورة: روى البخاري في أربعة مواضع حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله…” وذكر منهم: “…ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه…” بينما جاء في رواية مسلم: “فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله…” فالخطأ هنا واضح [هذا يسمى "قلباً" في اصطلاح المحدثين]. ولكن هذا الخطأ لا يجعل الحديث ضعيفا، إنما يقال الحديث صحيح وهذه اللفظة أو العبارة عليها اعتراض.

البخاري رجل متعدد المواهب وحاد الذكاء، وقد وضع في كتابه عبارات وإشارات لا يفهمها إلا من كان مثله في العلم والذكاء. مثلاً ضمّن البخاري آراءه الفقهية في عناوين أبواب كتابه، فنجده يقول: باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، باب الاستسقاء في المسجد الجامع، باب قبول الهدية من المشركين، باب النهي عن التزعفر للرجال.. إلخ، ولذلك تجده أحياناً يذكر عنواناً ولا يسرد بعده أحاديث للفتة علمية في عنوان الباب. وموضوع معلقات البخاري هي من قبيل إشارات البخاري الذكية.

لكي نحكم بصحة حديث ما لا بد من توفر شروط، منها اتصال السند، فإذا وجدنا انقطاعاً بين أحد الرواة والذي يليه نحكم بضعف الحديث، الغريب أن البخاري في مواضع كثيرة في كتابه يذكر أحاديثاً ولكن بسند مقطوع [أي يحذف بعض الرواة] ويفعل ذلك عامداً عالماً. ولأنه البخاري وليس أحداً سواه، سمى المحدثون هذه الأحاديث باسم خاص “المعلقات”، وانفتح باب عريض للنقاش حولها وسبب تعليق البخاري لها.

معلقات البخاري ليست من صلب كتابه، فلا يجب أن نضعها في رتبة الأحاديث المسندة التي نوّهنا قريبا إلى صحتها. إنما هي مرتبة مستقلة من الأحاديث فيها الصحيح والحسن والضعيف، وللبخاري لمحات تدل على رأيه في درجة صحتها استنبطها العلماء بعد جهد حثيث في استقراء منهج البخاري ورواياته.

حديث تحريم الغناء الذي يدور النقاش حوله هذه الأيام [وهو نقاش قديم حديث] هو من معلقات البخاري وليس من مسنداته. فالحذر الحذر من التدليس على الناس، فكم من قضية شريفة سقطت هيبتها من أعين الناس لأن المدافعين عنها استخدموا أساليب غير علمية [وربما غير شريفة]، ولا نتعذر بحسن النية، فعند النقاش العلمي تتوقف المشاعر [إلا التقوى والخشية من الله] ويصدح صوت الحجج والبراهين.
لا يهمنا في هذه المقالة توضيح رأي الفقه في قضية المعازف فهذا له ميدان آخر، إنما يهمنا التنبيه إلى أن الطعن في حديث المعازف لا يعني الطعن في البخاري، فنحن معنيون بإعادة هيبة الصحيحين إلى قلوب الناس، وفي نفس الوقت معنيون بتوضيح مناهج استنباط الأحكام وما ينبغي على العامي معرفته في ما يجوز تقليده من الأقوال والآراء.

ما زلنا نبعد مئات الأميال عن فتح نقاش جدي وحقيقي في كثير من قضايا الأمة الفكرية، لأن الجو العام مشوش منهجياً ومشحون عاطفياً، كفانا قتلاً للوقت ومضيعة لحرارة التفكير، لا نريد أن نناقش رضاع الكبير ولا زمارة الراعي، نريد أن نضع سوياً مناهج تسمح لنا بالنقاش، ونريدها مناهج مستقيمة لا مناهج عباطة أو فكر ترقيع.

هناك من يهلك الحرث والنسل بسبب فهمه السقيم لحديث، وهناك من ينسلخ من جلدة الدين بسبب حديث يحسبه معارضاً للعلم الحديث، وهناك من يستنبط العقائد الفاسدة بسبب شبهة علقت له من رواية.. يا قوم أزمتنا ليست أزمة حديث، إنما أزمة فقه وفكر، وقبل ذلك أخلاق وروح.

لا نرى كثير فائدة في الدعوات التي تدعو إلى إعادة دراسة علم الحديث من الناحية الإسنادية، لأن الجزء الأكبر من علم الحديث انتهى، فلا يمكننا مثلا التحقق من حقيقة الراوي هل هو ثقة أو عدل، ولا معنى لتصحيح حديث ضعفه السابقون ولا تضعيف حديث صححه السابقون [إلا ما تركه السابق للاحق من النظر والاجتهاد]، ومن البدع أن نطبع المنشورات والكتب ونستعيض عن رواه الترمذي، أو أعله ابن المديني، بـ صححه: “…” أو ضعفه: “…” ممن جاء بعده بأربعة عشر قرناً. بل الأمانة تتطلب أن نذكر من ضعفه ومن قواه، من دون أن نجعل رجلاً واحداً حاكما على السنة.

قال البخاري رحمه الله: “ما وضعتُ في الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين” وقال البخاري: “أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح”، وقال أيضاً: “فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء… فلما طعنت في ثمانية عشر سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم… وصنفت التاريخ [كتاب التاريخ الكبير] إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم”. نم قرير العين يا إمام، وهنيئا لك ذاك الجوار، ولا يضرك إن اختلف الناس بعدك هل أنت قبوري أو من القائلين بـ “لفظي بالقرآن مخلوق”.


0 comments: