Saturday, September 10, 2011

صمتاً أيها الحكيم - الجزء الثاني


المقالة منشورة في مدونة الزميل أشرف الفقيه.

[بعدَ جلسة التحقيق]

مسؤول قسم الشكاوى رجل لطيف، والمحقق رجل حاذق ظريف، والعاملون في وزارة القانون من الطيبين والطيبات، ويارب التوبة النصوح، فأنت القائل لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظلم.

رجعت إلى بيتي، ولكن البيت خلية نحل ونمل، الجميع فيه يزنزنون، ولأكفهم محكحكون، الجميع أقنعني أني أحمق مجنون، مالي ومال وزارة القانون، ألقيت بنفسي إلى التهلكة، وعليّ أن أتحمل من اليوم توابع القرصة والعضة والطقطقة. ْ

جدي حكيم، وعمي حكيم، وخالي حكيم، وسمعت أن ابن عم أبي حكيم، كلهم تحدث معي، نحن أهل الفزعة، نحن أهل النخوة، سنكلم أبا فلان وأبا أبي فلان، وسنحل المشكلة بعيداً عن وزارة القانون، يا فتى مالك ومال وزارة القانون؟!

عقفت عقالي فخراً بعشيرتي، وشمرت أكمامي لنشوتي، هؤلاء حكماء، هؤلاء وجهاء، يرون ما لا أرى، ويعرفون مالا أعرف، هلم وألقي المجداف إليهم، وهلم إلى وزارة القانون وأوقف الشكوى حتى يأذن الله أو تغلب الروم.

الجميع يطبخ، رائحة البهار في كل مكان، مرق مع عسل، لحم مع لبن، وفاكهة مع بصل، لم أكن أعرف أن الطبخ مقزز، لم أكن أعرف أن الطبخ مقرف، لم أكن أعرف أن الطبخ طبخ.

كفى.. كفى.. لا أريد حقوقي، لا أريد نقودي، تنازلت عن كرامتي، .. استلاب حقوقي جريمة، ولكن استرداده بهذه الطريقة جرمية، صفقات مستقبلية، واجترارات ماضوية، “طخة” بـ “طخة”، عشاء بعشاء، استفزاز باستفزاز، والكل يحسب على الحاسبة المكاسب والمخاسر.. ألا لعنة الله على الظالمين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

دعوني أغرد وحيداً.. تحيا وزارة القانون، سأذهب فريداً.. فعّلت الشكوى مرة أخرى، ولكني بقيت في عشيرتي طريداً.. ترمقني أعين الحكماء.. أنا جسور من الخارج، ولكني خائف من لعنة الحكماء في الداخل.

جاهة أبي فلان في منزلنا، وعقال أبي فلان في حوشنا، مزقت وجه “الشيخ” أمام الناس، مزقت وجه عشيرتي أمام الناس، زارني الحكيم وقال لي احسب النتائج ووازن العواقب، المال يفنى وتبقى الروابط، معرفة الناس كنز لا يفنى، ومن يلاعب العقارب فليحتسي سمها.

صدق الحكيم، اكتشفت في مخفر الشرطة أني قد قذفت بالعار “فلانا” من الوجهاء، وعليّ سبعة شهود، أستغفر الله، عفواً سبحان الله، عفواً إنا لله وإنا إليه راجعون.

أقسم بالله أني موظف بسيط، ولأني بسيط فأنا أكره أن أجلد ثمانين جلدة لأني رفعت شكوى لاسترداد حقوقي، الموضوع أصبح خارج السيطرة، أحسست لفترة أني أشعلت حربا على نفسي، حربا على أهلي، بل حربا في بلدي، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد أن الإعلام لم يسمع بي.

جاءني حكيم، حكيم كبير، يتفتق وجهه شحماً وحكمة، قلت هذا أكبر.. قال لي: أما يكفيك جنون، ألم تعقلك مماحكة النسور، سنأخذ لك حقك، ولكن هل تريد أن تنتظر عشر سنين؟ أظنك تفضّل أن تنطلق في الحياة على أن تتعذب عشر سنين.. كل هذا من أجل دريهمات!!.. آلمني كلامه جداً، وأوجعتني حروفه ضرباً.. وهل استشرى الظلم إلا لأن الجميع تناسى الدريهمات.. تباً للمال.. تعس عبد الخميصة.. خذ أموالي كلها صدقة، ولكن لا تأخذ درهما غصباً، عضة أفعى تنفث سماً في جسدي فتقلب حُمرة دمي سواداً خيرۘ من ذلك.
تابع الحكيم خطبته.. فبقيت صامتاً أستمع.. لأن من مس الحصى فقد لغى.. كلامه يطفح حكمة ودهاءً، أمسك بالوتر الموجع، وضغط على الخد المتهتك، اذهب يا بني لوحدك وقارع تيس الجبل، وانطحه كما تشاء، ولكن اعرف أن تيوس الوادي ستنطح عاجلاً أم آجلًا أباك وأمك، أخاك وأختك، ابنك وبنتك.. ما ذنب هؤلاء؟ ماذا فعلوا لك لتعاقبهم هذا العقاب؟

تعجبت من نفسي، لقد أقنعني الحكيم هذه المرة، القلوب بين أصبعي الرحمن يقلبها كما يشاء.. خفت أن أغير رأيي، فركضت حبواً إلى وزارة القانون لأسقط الشكوى، سقطت بعدها شكوى القذف، والمنة لله ولرسول الله.. في رأسي صداع، وتلبس أضلاعي الإرهاق، نعم.. ما ذنب عائلتي أنا مقتنع هذه المرة، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام.

عانقني الحكماء وعانقتهم، صافحني الحكماء وصافحتهم، وأكلنا احتفالا بالمناسبة عشرة “سدور بليلة وترمس”.. شكرتهم جميعا على حكمتهم، لقد اقتنعت وفهمت بعض أسرار الحياة..

لقد تعملت درساً مراً زلالاً، وأكلت من خبرة الحياة خنزيراً حلالاً.. ولكن عصارة مرارة التجربة أقدمها في قائمة وجبات أرقى المطاعم..
حماقة الصارخ في وجه الظلم خير من صمت الحكيم الفاسد.. هؤلاء ليسو حكماء، إنما هم السفهاء ولكن لا يعلمون.. حكمتهم عجين من ثقافة الجبن، والجبان لا يعرف النزال فليعرّد مع المعرّدين وليترك لأبناء هذا الجيل النضال.. حكمتهم دهلزة وروغان الثعلب في حظيرة الدجاج، فليهزهزوا ذيولهم وليتركوا الصراحة لهذا الجيل..

سأقبل رأسك أيها الحكيم.. جزاك الله خيراً لقد أديت ما عليك في ما مضى.. أما اليوم فأنت في سلك معارج حاشية المفسدين، تنافح عنهم وأنت لا تدري.. سأقبل يديك أيها الحكيم وأهمس في أذنك أن ابقَ صامتاً.. فإن أبيت إلا الكلام.. فأظن أن حكمة ثمانين سنة كفيلة أن تخبرك أن الفرق بين القبلة والبصقة.. قليل من الريق.

0 comments: