Sunday, October 24, 2010

صمتاً أيها الحكيم - الجزء الأول


المقالة منشورة في مدونة الزميل أشرف الفقيه.



[ملاحظة: جميع أحداث هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية تعرض بقالب أدبي لكي ينالها الفسح]

قصتي هي قصة الكثيرين، ولكن في القلب غصة تحصرمت في الحلقوم، فتدلى اللسان رغما عنه مفصحاً عن الممنوع، فأنخ سمعك يا صاحبي فربما أحكي قصتك لا قصتي، وشاهت الوجوه على جميع مقصات الرقيب.

يا صاحب القبيبة ودار سلمى وأطلال الحمى، قد سرق مديري مُرتبي، كما قد سرق من قبل كثيراً من كرامتي، وكنت دائما صموتا ودوداً، للأعذار ولوداً، ولكن أصبح الرقم كبيراً بحيث طنطنت جميع بنادل جمجمتي فلم أعد أحتمل المزيد.

شكوت إلى زميلي الموظف سر حرقتي، فعلمت أن صديقي أيضاً مسروق، فطفت على المكاتب فعلمت أننا جميعاً مسجلون في نقابة المسروقين، فهمست في جيب ثوبي: ويخلق ربك ما لا تعلمون.

عندما يغلي المرجل ويحمى الوطيس، تقودني سيارتي إلى المجهول، شقّت طريقها وسط الرمال، فنزلْت من صهوتها حافياً حاسراً، وبدأت أتأمل وأحكحك بأظافري تقاسيم فروتي، وبعد فترة صفاء وحديث مع نجوم الصحراء، زمجرت وقلت كفى سكوتاً على الظالمين، سأواجه المسؤول، وأحدثه بالمحذور، وليخسأ الخاسئون.

عوى هاتفي، فإذا هو حكيم قديم، انتهزت الفرصة فحدثته بخطة غارتي، ووصفت له وكاء حربتي، وهو صامت صمت الحكيم، حتى نطق :”يا بني الدنيا مليئة بالظالمين فلا تشتغل بهم، واشتغل بالصالحين”.

أشرقت كلمات الحكيم في صدري، واستولى تخدير عقاره في نفسي، فعدت سعيداً إلى بيتي، وقلت لن أشتغل بك أيها الظالم، وسأعمل ما يرضي ضميري ووطني وسأستمر في عطائي لمؤسستي، وعاهدت الله أن أسير على خطا تضحيات الأجداد.

في الشهر التالي اقتطع المسؤول المزيد من راتبي وكرامتي، كل شيء طبقا للوائح والقوانين، وقد اكتشفت فيما بعد أنه لا يوجد شيء اسمه لوائح وقوانين، إنما خيال ووهم يرسمه المسؤول في قعر مخيخ الموظفين.

رجعت إلى منزلي مهموماً حزيناً، فكرت وقدرت، زمجرت وكسرت، تعبت وهدأت، وفي لحظة كتبت خطاباً فصيحاً إلى المسؤول، وفي صباح اليوم التالي طرحته طرح اللامبالي على مكتب السكرتير الوقور.

مضت ساعة وساعتان، ولم يحدث شيء، ومشى يوم ويومان، ولم يحدث شيء، ومن ثم ركض شهر وشهران، وأخيرا حدث شيء، فقد اقتص الزعيم المزيد من الحقوق، وأصبح الراتب لا معنى له غير المزيد من العبودية للوائح والقوانين.

لم أعد أحتمل، فتفجر في ذلك اليوم حسي المدني، فجررت قدمي إلى مركز تجاري، أحتسي قهوة غربية في وطني العربي. طول كأس القهوة ذراع، شربته من القهر كرعاً. وشاء الله أن يمر بجانبي دكتور مخضرم جامعي، أعده قَطعاً من زمرة الحكماء، فققصت عليه قصتي، وهو صامت يتأمل، ثم قال لي: ما أنت فاعل يا بني؟ فقلت: قررتُ أن أشتكي إلى وزارة القانون، وسأجعل هذا المدير عبرة لمن اعتبر، وليحيا الوطن والعلم والنشيد الوطني ومنتخب كرة القدم. قال لي الحكيم: هذا بعيد عن الصواب، بل أنت تسعى بذلك لأن تجعل بيتك خراب. والذكي هو من يخرج بأقل الخسائر، ويحصل على حقوقه بألطف الوسائل، فاذهب وقابل المسؤول، وأعطه ما يريد من الكلام المعسول، فلعله أن يتعطف عليك ويتفهم مطالبك. تعجبت وقلت: وهل سمعت بمسروق يستجدي لصه! قال الحكيم: هذه معضلة الشباب، فورة من الحماس الزائد البعيد عن الدهاء، ستصرخ وتجعر حتى يضرب “الشاكوش” على رأسك فـ”تنخمد” إلى الأبد، وما نريده نحن معاشر الحكماء أن تسمعوا لخبرتنا وحكمتنا: الشكوى في دولة القانون تعني إعلان حرب: وكيف للزغلول أن يحارب الُأسود؟

رجعتُ إلى بيتي، فكان أول فعلي أن قئتُ إبريق القهوة الذي شربته في المغسلة، وأدرت محاضرة دينية عن “حسن الظن بالناس”، ومن ثم كتبت قصيدة مدح في المسؤول، وقلت: يا غلام الدنيا تحتاج “شوية لحلحة”، والمسؤول بليد تستطيع تنويمه بمغناطيس المديح، ألم تسمع أن الله أحل أكل الميتة للمضطر؟ فتوكل على الله، وأحسن الظن بالناس.

انتظرت في الصباح الباكر ثلاث ساعات عند مكتب المدير، حتى بلغ اليأس مني الحناجر، لدرجة أني عندما فتح الحاجب الباب عانقت المدير من شدة الفرح، ووقفت خطيبا ألقي قصيدة المدح العصماء، وكلما ألقيت بيتا انتفخ جسد المدير، حتى صار كالمنطاد العظيم، انتفخ كل شيء فيه: الخدان والعضدان والفخذان وألقى النعالين من شدة ثقل القدمين، ولكن عينيه لم تنتفخا بل ما برحتا تبحلقان في البؤبؤ الأسود من عيني.

مسحت العرق عن جبيني، وجلست شامخاً على أريكتي، قال لي معاتبا: نعم هذا ما أعرفه عنك، فأنت “ابن ناس” وما خاب حدسي فيك، فلم أصدق ما قالوا لي عنك.  قلت أستغفر الله وهل تراعى إلى سمعك ما يشين؟ قال لي: أنت تعرف حسد الموظفين وغيرتهم من الناجحين المثابرين أمثالك، وقد زوَّر أحدهم على لسانك خطاباً يتهم فيها المؤسسة بأنها قد هضمت حقك، ولكن معزتك عندي جعلتني أمزق الخطاب وألقيه في سلة المهملات، فلا مكان للوشاية والنميمة في هذه المؤسسة، وسأقوم بتكريمك قريباً نكاية فيهم، وسيعرف الظالمون أي منقلب ينقلبون.

خرجتُ من المكتب وقد اقتنعت أني فعلًا أحمق، بجميع المقاييس والمعايير، أحمق لأن عشرين سنة دراسة لم تجعلني أفهم الحياة..  وقد اقتنعت أنه لا يوجد أحمق مني إلا ذلك الذي زور الخطاب على لساني!!! [وقفة: أرجو من القارئ الكريم أن يلاحظ غسيل الدماغ]

وأشرقت شمس الشهر الجديد، والحمد لله رب العالمين استلمت تكريم المدير، وكان الحرمان من شهريّ الإجازة طبقاً للوائح والقوانين، لم أغضب هذه المرة، ولم أحزن لأنه أصبح عندي رصيد من المناعة، إنما انتقلت بصمت إلى مرحلة هلوسات السكرانين.
طفح الكيل.. خلآص تُقرأ بالمد اللازم ست حركات.

فتحتُ باب نائب المدير، وانقضضت عليه كالغضنفر بالزمجزة والتهديد إن لم تعيدوا لي حقوقي خلال ٤٨ ساعة، فموعدكم القانون، إن موعدكم الصبح، وسيخضعكم القانون وأنتم صاغرون، وسلام عليكم لا نبتغي الجاهلين..
.
أكلت حبة عنب مع مضي كل ساعة، وانتهى قطف العنب بعد أكل ٣٧ حبة، فأكلت بعدها إحدى عشرة حبة فستق حلبي، فأكملت عدة الثمانية والأربعين، ودخلت بأدب مكتب القانون، واصطففت مع جموع غفيرة أمام قسم الشكاوى، فوصلني الدور بعد أربع ساعات، وعرضت شكواي طبقاً للوائح والقوانين، فاتصل أحد مسؤولي القانون يستدعي المدير لجلسة الاستماع، فخرجت مكبراً تكبيرات العيد، وملبياً تلبية الحاج، وشربتُ لأول مرة منذ شهرين عصير كوكتيل كبير.
يتبع القسم الثاني إن شاء الله تعالى..

1 comments:

Salam A. Khalifa said...

مقالة رائعة جدا، و أسلوب أروع
عندما تلتقي حكمة"زماااان" بمعطيات الواقع؛ يختلط الحابل بالنابل...